مجالس التذكير: إنّ الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم

إرسال إلى صديق طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

مجالس التذكير: من كلام الحكيم الخبير، وحديث البشير النذير للأستاذ عبد الحميد بن باديس رحمه الله ، نشرته مجلة الشهاب في عددها الثاني من الجلد العاشر ، الصادرة غرة شوال 1352ه ل1934م :

عن صفية أم المؤمنين {أنّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها حتى إذا بلغ باب المسجد عند باب أم سلمة مرّ رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنّها صفية بنت حيي .فقالا : سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنّ الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا } رواه البخاري ومسلم وغيرهما .

الألفاظ: تنقلب: ترجع إلى بيتها. يقلبها: يردها ويمشي معها، وما يزال هذا الفعل- قلب بمعنى ردّ - مستعملا في اللغة الدارجة بالقاف المعقودة. على رسلكما: على هينتكما أي مشيتكما الهينة التي لا عجلة فيها أي لا تسرعا. كبر عليهما: عظم وشقّ. يبلغ مبلغ الدم: يصل حيث يصل. أن يقذف: أن يرمي.

 الأشخاص: صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة، سبيت في فتح خيبر فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، توفيت في شهر رمضان سنة 50.

المعنى: كان النبي صلى الله عليه وسلم يواضب على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فجاءته زوجته صفية ليلة تؤانسه وتحادثه فلمّا أرادت الانصراف إلى بيتها قام معها النبي صلى الله عليه وسلم يؤنسها إلى بيتها كما جاءت هي إليه وبلغ معها باب المسجد فمرّ بهما رجلان من الأنصار فأسرعا في مشيهما واستحيا لمّا رأيا رسول اللهفخشي النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من وسوسة الشيطان المسلط على الإنسان بأن يلقي في قلوبهما شيئا من وجود امرأة مع النبي صلى الله عليه وسلم والشيطان ... بالخطرة يلقيها في قلب المؤمن يؤلمه بها ولو كان صدق إيمانه يرد عنه كيد الشيطان ،يدفعه ويقنع بإذاية المؤمن ولو بخطرة السوء تمرّ بالقلوب تمسه في دينه أو عرضه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسدّ في وجه الشيطان باب الكيد لذينك الرجلين الصالحين رضي الله عنهما ويقطع عليه طريق إذايتهما وإذايته معهما فقال لهما تمهلا ولا تسرعا في مشيتكما وأعلمهما بأنها زوجته صفية وكان الصحابيان الجليلان لم يقع في قلوبهما شيء ولم  يخطر أدنى خاطر منه في بالهما فاستعظما وكبر عليهما واشتدّ عليهما أن يظن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما خطور مثل هذا ببالهما حتى يحتاج إلى تعريفهما وهما كانا يريان أنفسهما بصدق إيمانهما أبعد ما يكون عن هذا ، فبيّن لهما النبي صلى الله عليه وسلم الداعي الذي دعاه إلى تعريفهما بالواقع وهو الخوف عليهما مما قد يكون بإلقاء الشيطان دون قصد منهما- لا شيء هو واقع منهما -وبيّن لهما ما يعرفهما بإمكان ذلك وسهولته  بما جعل للشيطان من التمكن من إلقاء الوسواس للإنسان وبلوغه منه في الإحاطة والتمكن مبلغ الدم.

الأسوة

ولكم في رسول الله أسوة حسنة

حماية الأعراض من التهم: كما على المسلم أن يقي عرضه من طعنات الألسن بالسوء عليه أن يقيه من هواجس النفوس به، فإنّ الهواجس مبادئ الظنون، والظنون مطايا الأقوال، والأقوال سهام نافذة وقلما يثبت غرض على كثرة الرمي، ومن خسر عرضه خسر قيمته وخسر كل شيء. فلخطر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية.

فلا ينبغي للمسلم أن يُرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجه عليه تهمة ولو كان عند نفسه بريئا وعمّا يرمى به بعيدا ، فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه وإذا تعرّض للتهم خسر نفسه وخسره إخوانه وأدخل على نفسه البلاء منهم وأدخل البلاء عليهم به ،فكانت خيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المرء ممن يُقتدى به ويُرجع إليه فإنّ زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركان الدّين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه وإذا وقف الإنسان موقفا مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه .

وليس لأحد – بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – أن يغترّ بمنزلته عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم، بل ذو المنزلة أحقّ بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقف استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة.

قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: في الحديث دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي. وهذا متأكد في حق العلماء ومن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأنّ ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.

مدافعة الشيطان عن القلوب: علينا وقد علمنا أنّ الشيطان متمكن من الوسوسة لنا من جميع نواحينا متصلا بنا اتصالا، وقريبا منّا قربا مثل اتصال وقرب الدم لا يمكننا الانفصال عنه كما لا يمكننا الانفصال عن الدمّ – أن نأخذ جميع الحيطة لردّ كيده وإبطال تدبيره وإحباط وسوسته وذلك بالمبادرة إلى الاستعادة بالله منه بالاستعادة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحوال المختلفة وبمقابلة كل نوع من وسوسته بما يبطله من ذكر الله فإذا جاء من ناحية الإيمان بادرنا إلى لا إله إلّا الله وإذا جاء من ناحية التنزيه بادرنا إلى سبحان الله وإذا جاء من ناحية الإنعام بادرنا إلى الحمد لله وإذا جاء  من ناحية التخويف من الخلق بادرنا إلى الله أكبر وهكذا بادرنا ردّ ما يوسوس به من كلمات للباطل إلى ضدها من كلمات الحق وكما علّ المؤمن أن يدفعه عن قلب أخيه بمصارحته بما يُزيل إساءة الظنّ به أو حمل شيء عليه أونفرة من ناحيته أو إشغال لأخيه ،وأنّ يبين له ما يقصد بذلك من مدافعة الشيطان وردّه عن نفسه وعن أخيه ليكون عونا له على قصده فيرجع الشيطان عنهما مذءوما مدحورا.

وهذه المدافعة للشيطان وحماية للقلوب منه من أعظم الجهاد وواجبه ولازمه بل هي أصل الجهاد كله فإنّه هو أصل البلاء كله. فالسلامة منه هي السلامة من كل سوء والتمكن من نيل كل خير والفوز بكل سعادة في الدنيا والآخرة.

إضافة تعليق

مود الحماية
تحديث